الانهيارات البنيوية في الذهنية الثقافية المؤسسة للقوة والمشرعة للحرب

عودة
الانهيارات البنيوية في الذهنية الثقافية المؤسسة للقوة والمشرعة للحرب

نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.تونس يوم 13 مارس 2026، بالتعاون مع رابطة تونس للثقافة والتعدد، مسامرة رمضانية بعنوان «الانهيارات البنيوية في الذهنية الثقافية المؤسسة للقوة والمشرعة للحرب». قدّم الندوة الأستاذ فتحي التوزري، الأخصائي في الأمراض النفسية والعصبية والأكاديمي، وأدارها مدير المركز الأستاذ المهدي المبروك، بمشاركة نخبة من الباحثين والمهتمين. وسلّطت الندوة الضوء على جدلية الحرب والهوية، ودور المحددات الثقافية في صياغة الفكر الاستراتيجي وهندسة القرار السياسي، مع التركيز على النموذج الأمريكي كحالة للدراسة والتحليل.

انطلق الأستاذ فتحي التوزري من فرضية مفادها أن الحرب تجافِي المفهوم الإجرائي الضيق لكونها مجرد قرار تقني أو عسكري، لتتبدى كظاهرة مركّبة تتقاطع فيها المحددات الثقافية والرمزية والهوياتية. وأكّد الباحث أن قرار الخوض في الحرب يظل مشروطاً بتمثّلات الجماعة لذاتها ولـ «الآخر»، وبآليات تشكيل «صورة العدو» في المخيال السياسي والاجتماعي. وبذلك، لا تتجسد الحرب في كونها صداماً بين الجيوش فحسب، بل تُقينُ بوصفها صراعاً محتدماً على المعنى، وتثبيت الشرعية، وصياغة السرديات التي تشرعن العنف وتؤطره داخل منظومة قيمية مُحددة

وفي هذا السياق، توقّف المحاضر عند أطروحة المفكر الأمريكي مايكل فلاهوس (Michael Vlahos)، الذي خصّص جانبًا مهمًا من أعماله لدراسة العلاقة بين الحرب والهوية في التجربة الأمريكية. وبيّن أن فلاهوس ينتمي إلى تيار نقدي داخل الفكر الاستراتيجي الأمريكي يرفض اختزال الحروب في البعد العسكري، ويولي أهمية كبرى للبنية الثقافية التي تشكّل الذهنيات الموجِّهة للقرار السياسي. كما أبرز أن هذا التوجّه يفسّر قدرة الولايات المتحدة على إعادة إنتاج خطابها الحربي عبر أزمنة مختلفة، بدءًا من الحرب الباردة، مرورًا بحرب العراق و"الحرب على الإرهاب"، وصولًا إلى الصراعات الراهنة في الشرق الأوسط.

كما ركّز المحاضر في جانبٍ رئيسٍ من مداخلته على ما سمّاه "الذهنية الثقافية المؤسِّسة للقوة والمشرِّعة للحرب"، معتبرًا أن الولايات المتحدة بُنيت تاريخيًا على سردية خاصة تجمع بين الاستثناء الأخلاقي، والرسالة الكونية، والتفوق الحضاري. وأشار إلى أن هذه السردية لا تنفصل عن أصول دينية وأسطورية، بل تستمد جانبًا كبيرًا من قوتها من المخيال البروتستانتي وفكرة "الأمة المختارة"، وهو ما جعل الحرب تُقدَّم في كثير من اللحظات التاريخية باعتبارها أداةً لإقامة الخير، أو حماية الحرية، أو نشر الديمقراطية.

وفي هذا الإطار، حلّل الأستاذ فتحي التوزري تصور فلاهوس للتاريخ الأمريكي بوصفه تاريخًا تحكمه ثنائيات حادة: (الخير/الشر، الحرية/العبودية، المدنية/التهديد). وتلك الثنائية -في نظره- لا تبقى مجرد خطاب رمزي، بل تتحول إلى آلية عملية في صناعة العدو وإنتاج السياسات الأمنية والعسكرية. كما بيّن أن خطورة هذا الخطاب تكمن في توفيره غطاءً أخلاقيًا للتوسع والتدخل الخارجي، وتحويله الهيمنة إلى مهمة شبه مقدسة، لا إلى مجرد مصلحة جيوسياسية عابرة.

وتطرق التقرير أيضًا إلى قراءة فلاهوس لما يُعرف بـ «الحرب على الإرهاب»، حيث أبرز أن فهم الحركات المسلحة يقتضي ربطها بسياقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية، بدلاً من اختزالها في مقاربات أمنية أو عسكرية مجردة. فالقوة والعنف في هذا التصور ليسا ظاهرة معزولة، بل تعبير عن التحولات داخل المجتمعات، وقد يرتبطان بفشل النماذج السياسية المفروضة من الخارج أو بانسداد الأفق أمام قوى التغيير الداخلية. ومن هنا، تصبح "الحرب على الإرهاب" -كما يراها فلاهوس- حربًا خاسرة إذا استمرّت الولايات المتحدة في تجاهل البعد الثقافي والحضاري للصراع.

وعلى هامش التعقيب على المحاضرة، أُثيرت جملة من الملاحظات النقدية؛ إذ ركّزت المداخلات على ضرورة عدم الاكتفاء بالمقاربة الثقافية في تفسير السياسات الأمريكية، بل ربطها كذلك بالعوامل الاقتصادية وبمصالح النخب والمؤسسات المؤثرة في صناعة القرار. كما طُرحت تساؤلات حول حدود الدور الذي يؤديه العامل الديني في تشكيل الخطاب الاستراتيجي الأمريكي، ومدى قدرة النقد الصادر من داخل الفكر الأمريكي نفسه على مراجعة منطق الهيمنة وإعادة النظر في أسسه.

واُختتمت الندوة بنقاشٍ تفاعلي تناول خلاله الحضور مختلف القضايا المطروحة، لا سيما من زاوية راهنيتها في ظل الحروب المتواصلة في المنطقة العربية والإسلامية. وقد خلصت المناقشات إلى مجموعة من الدروس المركزية، أبرزها أن الحرب لا تُفهم بمعزل عن الهوية، وأن قراءة الصراعات الدولية تقتضي الانتباه إلى الخلفيات الثقافية العميقة التي تؤطر القرار السياسي. كما برزت فكرة مفادها أن الهيمنة لا تستمر بالقوة المادية وحدها، بل تحتاج إلى سردية مُبرِّرة، وأن انهيار هذه السردية قد يفضي إلى أزمات داخلية حادة في بنية القوة ذاتها.

وفي ضوء ذلك، أكدت الندوة أهمية تطوير قراءة نقدية للتفكير الاستراتيجي الغربي، وضرورة امتلاك أدوات تحليل تسمح بفهم التحولات العالمية بعيدًا عن التبسيط. كما استُخلص أن أي سياسة خارجية ناجحة لا بد أن تراعي التنوع والتعدد الثقافي، وأن تدرك أن تجاهل الآخر أو التعامل معه بمنطق الإخضاع يؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية. وبذلك، مثّلت الندوة دعوةً لإعادة النظر في مفهوم الحرب، وسبل بناء الأمن والسلام، وفي الشروط الثقافية والسياسية التي تجعل الصراع أكثر تعقيدًا مما يظهر في الخطابات الرسمية.