في إطار فعاليات سيمينار "السياسي والديني في الفضاء العمومي: مقاربة على ضوء فلسفات ما بعد الحداثة والتيارات الديكولونيالية"، نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تونس، يوم الخميس 26 مارس 2026، محاضرةً بعنوان "مفاهيم اللاهوتات السياسية"، قدّمها الأستاذ ميكايل رامينغير (Micael Ramminger). وقد شكّلت هذه المحاضرة فرصةً للتفكير في طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة في المجتمعات الحديثة، وفي الكيفية التي تستمر بها المرجعيات الدينية والأخلاقية في التأثير في المجال العمومي رغم مسارات العلمنة. كما تناولت المحاضرة الأبعاد النقدية للاهوت السياسي ودوره في مساءلة أنماط الهيمنة والسلطة والتفاوت الاجتماعي، إلى جانب مناقشة بعض التحولات المعاصرة المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأزمات العالمية. وخلصت المحاضرة إلى أهمية تطوير مقاربات نقدية متعددة الاختصاصات لفهم التداخلات المعقدة بين الدين والسياسة والحداثة، بما يسمح بقراءة أعمق للتحولات الفكرية والاجتماعية التي تشهدها المجتمعات المعاصرة.
في إطار فعاليات سيمينار "السياسي والديني في الفضاء العمومي: مقاربة على ضوء فلسفات ما بعد الحداثة والتيارات الديكولونيالية"، نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تونس، يوم الخميس 26 مارس 2026، محاضرة بعنوان "مفاهيم اللاهوتات السياسية"، شارك فيها الأستاذ ميكايل رامينغير (Micael Ramminger)، أستاذ اللاهوت والفلسفة وأحد أبرز الباحثين في معهد اللاهوت والسياسة بألمانيا. وقدّم الجلسة وأدارها الأستاذ قاسم الغربي، الباحث بمركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس.
استهلّ الأستاذ ميكايل رامينغير مداخلته بعرض التصور الذي بلوره الفقيه والفيلسوف الألماني كارل شميت (Karl Schmitt)، والذي يرى أن المفاهيم السياسية الحديثة ليست سوى صيغ معلمنة لمفاهيم لاهوتية قديمة، وأن الدولة الحديثة لا تستطيع الاستغناء عن مرجعيات تتجاوز العقلانية الإجرائية الخالصة لتأسيس الشرعية والسيادة. وأوضح أن هذا التصور ارتبط بنقد عميق للحداثة الليبرالية ولقدرتها على ضمان التماسك السياسي والاجتماعي.
فيما يلي، تناول المحاضر ما عُرف بـ"اللاهوت السياسي الجديد" الذي طوّره يوهان بابتيست ميتس (Johann Baptist Metz)، والذي سعى إلى إعادة توظيف التراث الديني في نقد البنى الاجتماعية والسياسية السائدة، من خلال التركيز على قيم التحرر والمساواة والعدالة الاجتماعية. وأبرز أن هذا الاتجاه تأثر بالنقد الماركسي للمجتمع الرأسمالي، كما استند إلى قراءة نقدية للنصوص الدينية تجعل من الدين أداة لمساءلة أشكال الهيمنة والاستغلال بدل أن يكون وسيلة لتبريرها.
كذلك توقف الأستاذ رامينغير عند مفهوم "نقد الأصنام" في اللاهوت السياسي المعاصر، موضحاً أنه لا يستهدف الدين أو العلمانية في حدّ ذاتهما، بل يوجَّه أساساً إلى الأبعاد الأسطورية وغير المفكَّر فيها داخل المجتمعات الحديثة. وفي هذا السياق، انتقد التصورات التقدمية التي تعتبر النمو الاقتصادي والتطور التقني مساراً حتمياً نحو مستقبل أفضل، معتبراً أن الأزمات البيئية والاجتماعية الراهنة تكشف حدود هذا التصور وتناقضاته.
كما تناول المحاضر إشكاليات الذكاء الاصطناعي والترانسإنسانية (Transhumanisme)، مبيناً أن بعض الخطابات المرتبطة بهما تعيد إنتاج تصورات ذات طابع لاهوتي في صورة علمية وتقنية جديدة، من خلال الوعد بتجاوز حدود الإنسان البيولوجية وتحقيق أشكال من الخلود أو الاستمرار الرقمي. واعتبر أن اللاهوت السياسي الجديد يقدم أدوات نقدية لفهم هذه الظواهر والكشف عن رهاناتها الإيديولوجية والثقافية.
أعقب المحاضرة نقاش ثري تناول جملة من القضايا النظرية والراهنة، من بينها العلاقة بين الدين والسياسة في المجتمعات الحديثة، وإمكانات مشاركة الخطاب الديني في الفضاء العمومي دون أن يتحول إلى أداة للهيمنة، إضافة إلى إشكاليات العلمانية والتجارب الأوروبية المختلفة في إدارة الشأن الديني. كما تطرق النقاش إلى توظيف المرجعيات الدينية في الصراعات السياسية المعاصرة، وخاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وإلى حدود مقولات الفصل بين الدين والسياسة في تفسير الواقع السياسي الراهن.
واختُتم اللقاء بالتأكيد على راهنية أسئلة اللاهوت السياسي في ظل التحولات العالمية الراهنة، وعلى أهمية المقاربات النقدية التي تسعى إلى فهم التداخلات المعقدة بين الدين والسياسة والحداثة، بعيداً عن التصورات الاختزالية التي تفترض الفصل التام أو التطابق الكامل بين هذه المجالات.
