الذكاء الاصطناعي في تونس: أيّ جاهزية لمواجهة التحوّلات الرقمية؟

عودة

في إطار سلسلة من التظاهرات الفكرية، نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات . تونس، بالشراكة مع جمعية صنّاع الأمل، مسامرة رمضانية فكرية تحت العنوان ذاته. وأدار الندوة الأستاذ مالك، الذي رحّب بالحضور وبمتابعي التظاهرة عبر المنصات الرقمية، وقدّم المتدخلين، وهم: الأستاذ عبد السلام الزبيدي، وهو أستاذ فلسفة مختصٌّ في فلسفة الذكاء والحقيقة وعلاقة الإنسان بالمدار المعلوماتي؛ والأستاذ كرمان المرزوقي، الخبير في استراتيجيات الذكاء الاصطناعي والمعلومات؛ والأستاذ معز عطية، الأستاذ الجامعي بالمعهد العالي لتكنولوجيات المعلومات والاتصال؛ والأستاذة إيناس الجعايبي، المحامية والباحثة في مرحلة الدكتوراه في قانون الذكاء الاصطناعي والصحافة؛ والمهندس حمدي حشّاد، الخبير البيئي والمناخي. وقد هدفت الندوة إلى مقاربة الذكاء الاصطناعي من زوايا فلسفية وتقنية وقانونية وبيئية، بما يتيح قراءة شاملة للتحديات والفرص التي تطرحها التحولات الرقمية في تونس.

استهلّ الأستاذ عبد السلام الزبيدي المداخلات بطرح سؤال فلسفي حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثّل ثورة إبستمولوجية حقيقية أم امتدادًا للتطورات التقنية السابقة. وبيّن أن التحول الجوهري لا يكمن في تسارع القدرات التقنية فحسب، وإنما في انتقال التكنولوجيا من مجرد أداة يستخدمها الإنسان إلى عنصر يشارك في إنتاج المعرفة وصنع القرار. كما دعا إلى التفكير في التحولات التي قد يُحدثها الذكاء الاصطناعي في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا وفي مستقبل المعرفة الإنسانية.

من جانبه، تناول الأستاذ كرمان المرزوقي واقع الذكاء الاصطناعي في تونس من منظور عملي، مبرزًا أن التحدي الرئيس لا يتمثل في تطوير الخوارزميات بقدر ما يتعلق برقمنة البيانات، وتوحيد معاييرها، وتعزيز التكامل بين الإدارات والمؤسسات العمومية. وأكد أن نجاح أي استراتيجية وطنية في هذا المجال يقتضي تطوير بنية تحتية رقمية متماسكة، وتشجيع نماذج محلية مفتوحة المصدر تستجيب لخصوصيات السياق التونسي.

وفي السياق نفسه، ركّز الأستاذ معز عطية على ضرورة التمييز بين الاستخدامات الشائعة لمصطلح الذكاء الاصطناعي وبين معناه العلمي الدقيق، معتبرًا أن العديد من التطبيقات المتداولة لا تندرج ضمن الذكاء الاصطناعي بالمعنى الحقيقي. كما شدّد على أهمية بناء استراتيجية وطنية واقعية، تقوم على توحيد آليات جمع البيانات واستثمار الإمكانيات المتاحة بصورة فعالة.

 

 

أما الأستاذة إيناس الجعايبي، فقد تناولت الإطار القانوني المنظم للذكاء الاصطناعي في تونس، مبيّنة أن المنظومة التشريعية الحالية لا تزال تعتمد على نصوص متفرقة، في ظل غياب قانون خاص ينظم هذه التكنولوجيا. وأبرزت جملة من الإشكاليات القانونية المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، والملكية الفكرية، وتحديد المسؤولية القانونية عن الأضرار التي قد تنجم عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مؤكدة الحاجة إلى تطوير إطار تشريعي يواكب التطورات المتسارعة في هذا المجال.

واختتم المهندس حمدي حشّاد المداخلات بتسليط الضوء على العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتغيرات المناخية، موضحًا أن هذه التكنولوجيا تطرح تحديات بيئية مرتبطة باستهلاك الطاقة والموارد الطبيعية، لكنها تتيح في المقابل إمكانات واعدة في مجالات التنبؤ بالكوارث الطبيعية، وإدارة الموارد المائية، وتطوير الطاقات المتجددة، بما يعزز دورها في دعم جهود الانتقال البيئي.

واختُتمت الندوة بنقاش تفاعل خلاله الحضور مع مختلف القضايا المطروحة، حيث تناولت المداخلات موضوعات السيادة الرقمية، وأمن البيانات، وتأثير الذكاء الاصطناعي في التعليم وسوق الشغل، إضافة إلى الحاجة إلى مراجعة الإطار القانوني المنظم لحماية المعطيات الشخصية. وأكد المتدخلون، في معرض إجابتهم عن أسئلة الحضور، أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل بديلًا عن الإنسان، بل يفرض إعادة التفكير في أدواره ومهاراته، بما يستوجب مقاربة متوازنة تجمع بين الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا والحد من المخاطر التي قد تنجم عنها.

وخلصت الندوة إلى أن جاهزية تونس لمواكبة التحولات الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ما تزال تواجه تحديات تتصل بالبنية التحتية الرقمية، وحوكمة البيانات، والإطار التشريعي، رغم ما تزخر به البلاد من كفاءات علمية وإمكانات واعدة. وأكد المشاركون أن الاستفادة من هذه التكنولوجيا تقتضي وضع استراتيجية وطنية شاملة، تقوم على التكامل بين الأبعاد الفلسفية والتقنية والقانونية والبيئية، وتستجيب لخصوصيات السياق التونسي ومتطلبات التنمية المستقبلية