في إطار سمينار "السياسي والديني في الفضاء العمومي: مقاربة على ضوء فلسفات ما بعد الحداثة والتيارات الديكولونيالية"، نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس، بتاريخ 18 فيفري 2026، محاضرة بعنوان "الدولة المدنية في الفكر العربي والغربي". ألقاها الأستاذ حسام الدين درويش، المحرر العلمي في قسم الفلسفة بالموسوعة العربية (أرابيكا) التابعة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس، والباحث والمحاضر في قسم لغات وثقافات العالم الإسلامي بكلية الفلسفة في جامعة كولونيا بألمانيا. وأدار الجلسة الأستاذ قاسم الغربي، الباحث في مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس (CERES). تتنزّل هذه الفعالية ضمن سياق فكري مفصلي يتّسم بجدالات معمّقة حول مفهومي "المدنية" و"العلمانية"، لا سيما في ظل التحوّلات الانتقالية التي تشهدها المجتمعات العربية المعاصرة. وقد اتّخذت المحاضرة من التفكيك المعرفي منهجاً لمساءلة بنية الدولة المدنية، إذ تأرجح التحليل بمرونة بين التنظير الفلسفي للقيم السياسية والفحص الدلالي للمصطلحات، مع ربط ذلك بمسارات التطوّر التاريخي التي أعادت صياغة علاقة المدني بالديني.
في إطار سمينار "السياسي والديني في الفضاء العمومي: مقاربة في ضوء فلسفات ما بعد الحداثة والتيارات الديكولونيالية"، نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تونس، في 18 فيفري 2026، محاضرة بعنوان "الدولة المدنية في الفكر العربي والغربي"، ألقاها الأستاذ حسام الدين درويش، المحرر العلمي في قسم الفلسفة بالموسوعة العربية (أرابيكا) التابعة للمركز العربي، والباحث والمحاضر في قسم لغات وثقافات العالم الإسلامي بكلية الفلسفة في جامعة كولونيا بألمانيا. وأدار الجلسة الأستاذ قاسم الغربي، الباحث في مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس (CERES) ورئيس تحرير المجلة الإلكترونية للمركز.
استهلّ الأستاذ درويش محاضرته بمقاربة مصطلحية وتاريخية معمّقة، كشف من خلالها عن اللبس الدلالي الذي يحيط بمصطلح "الدولة المدنية" في الفضاء العربي، معتبراً أن هذا المصطلح يقوم بمثابة بديل "ملطّف"، أو بمعنى آخر استراتيجية لغوية تتيح الالتفاف على حدّة مصطلح "العلمانية" وتجنّب ما يحمله من صدامات أيديولوجية. ثم تتبّع المحاضر الجذور الفلسفية للمفهوم انطلاقاً من تقاليد العقد الاجتماعي عند توماس هوبز (Thomas Hobbes)وجون لوك (Jean Locke) وجان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) ، حيث كانت "الحالة المدنية" تُطرح بوصفها نقيضاً لـ"حالة الطبيعة" البدائية، قبل أن يتتبّع تحوّلات هذا المفهوم في الفكر العربي المعاصر. وأوضح درويش أن المصطلح اكتسب في السياق المحلي صبغة وظيفية محدّدة، حيث أصبح يصف دولة تقف على طرفي نقيض، من الحكم العسكري من جهة، ومن الدولة الثيوقراطية من جهة أخرى؛ مما جعل من "المدنية" مرادفاً لاستعادة السيادة الشعبية والمواطنة، بعيداً عن أي سلطة مطلقة، سواء استمدّت شرعيتها من القوة أو من الحق الإلهي.
ولم تقتصر المحاضرة على إعادة إنتاج الطرح التقليدي القائم على الفصل الميكانيكي بين السلطتين الزمنية والروحية، بل غاصت في الكيفية التي تعيد بها "الدولة المدنية" صياغة مفهوم الحياد نفسه، بحيث يتحوّل هذا الأخير من حياد سلبي وإقصائي إلى حياد إيجابي وتفاوضي تجاه المعتقدات. وقد فكّك المحاضر هذا المحور عبر مسارين متكاملين؛ يتعلّق أولهما بالمستوى النظري، من خلال مقارنة إبستمولوجية بين نموذجين للعلمانية: "العلمانية الصلبة"، المتمثّلة في النموذج اليعقوبي الفرنسي الذي يسعى إلى تعقيم الفضاء العام من كل حضور ديني، و"العلمانية التعدّدية"، المتمثّلة في النموذج الأمريكي الذي نشأ أساساً لحماية التعدّد العقدي من تغوّل السلطة السياسية. ويتّصل المسار الثاني بالمستوى الإجرائي، حيث أكّد المحاضر أن جوهر "المدنية" يكمن في القدرة المؤسساتية على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، بحيث لا يُعدّ الانتماء العقدي معياراً للحقوق، بل تتحوّل الدولة إلى صمام أمان يحمي الدين من الاحتكار السياسي، كما يحمي السياسة من التوظيف الطائفي.
وفي مرحلة لاحقة من النقاش، استحضر الأستاذ درويش أدوات ما بعد الحداثة والتيارات التفكيكية لما بعد الاستعمار (Decolonial Theory)، ووضع مفهوم الدولة المدنية تحت مجهر المساءلة من منظورين أساسيين؛ يتمثّل أولهما في نقد المركزية الغربية، حيث تُقرأ الدولة الحديثة بوصفها بناءً تاريخياً نابعاً من صيرورة أوروبية خاصة، تتّسم بالعقلانية والبيروقراطية، مما يجعل استنباتها في السياق العربي يواجه تحدّي الرفض بدعوى أنها "بناء كولونيالي". ويتمثّل المنظور الثاني في الدعوة إلى بناء بدائل معرفية، من خلال "تبيئة" مفهوم المدنية وتحويله إلى مشروع تحرّري ينبع من الاحتياجات المحلية. وفي هذا السياق، شدّد الأستاذ درويش على أن نقد الحداثة لا يعني الارتداد نحو التقليد، بل بناء نموذج للمواطنة يتجاوز الإرث الاستعماري، ويتمسّك في الوقت ذاته بالقيم الكونية للعدالة.
واختُتمت الندوة بنقاش ركّز على مأسسة الدولة المدنية في الدساتير العربية. وأكّد المحاضر أن الحلول الإجرائية تظل غير كافية في غياب أرضية فكرية صلبة، معتبراً أن تكرار التساؤلات حول الدولة المدنية يعكس في جوهره فجوة قائمة بين الطموحات الديمقراطية والواقع السياسي القائم. وخلص في نهاية المطاف إلى أن الدولة المدنية تمثّل "الأفق الضروري" للتعايش، على أن يُنظر إليها كاستحقاق للعدالة، لا كقالب جاهز مستورد.
