أقام المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تونس، بتاريخ 6 فبراير 2026، محاضرةً دوليةً بعنوان «Puissance, technologies et rivalités : les nouvelles lignes de fracture de l'économie mondiale»، قدّمها الخبير الاقتصادي ريمي بورجو (Rémy Bourgeot)، وتمحورت حول إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي في ضوء ثلاثة محاور رئيسية: عودة الحمائية بوصفها أداةً جيوسياسيةً متعددةَ الأبعاد، وتصاعد أهمية السيادة الصناعية لا سيما في قطاعَي أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، ونقد النموذج النيوليبرالي وتداعياته في إضعاف الكفاءات التقنية وإهمال السياسات الصناعية. وخلصت المحاضرة إلى أن ما يشهده العالم ليس أزماتٍ ظرفيةً عابرةً، بل تحوّلاتٍ بنيويةً جذريةً تجعل من التفوق التكنولوجي شرطاً أساسياً للقوة السياسية، وأن الاستقرار العالمي المستقبلي رهينٌ بقدرة الدول على الجمع بين التنافس والتعاون المؤسساتي.
في إطار أنشطته العلمية لعام 2026، افتتح المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تونس يوم 6 فبراير ، سلسلة ندواته الدولية بمحاضرة تحت عنوان: "القوة، التكنولوجيا والتنافسية: خطوط الصدع الجديدة في الاقتصاد العالمي" .تأتي هذه الفعالية في ظل تحولات عميقة يشهدها النظام الاقتصادي العالمي، تتسم بتصاعد الصراعات التكنولوجية والصناعية، وإعادة تشكيل موازين القوى وسلاسل القيمة العالمية. ألقى المحاضرة الخبير الاقتصادي ريمي بورجو (Rémy Bourgeot)، الباحث المشارك في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية (IRIS) والمتخصص في القضايا التكنولوجية والاستراتيجيات التجارية، وأدار الجلسة أرام بالحاج، الخبير الاقتصادي والأستاذ الباحث بجامعة قرطاج.
تمحورت المحاضرة حول تشخيصٍ بنيوي معمّق للتحولات الجذرية التي تُعيد رسم ملامح الاقتصاد السياسي العالمي، في سياقٍ تتشابك فيه الصراعات التكنولوجية مع إعادة توزيع موازين القوى وتفكّك النماذج الاقتصادية السائدة. وقد انتظم التحليل حول ثلاثة محاور جوهرية تكشف عن عمق التحولات التي يشهدها النظام الدولي الراهن:
العودة إلى "الحمائية الهيكلية": استهل المحاضر عرضه برصد العودة القوية لسياسات الحمائية التي تجاوزت منطق الدفاع عن المنتج المحلي، لتغدو سلاحاً جيوسياسياً وأداةً للإكراه الاقتصادي. تجلى ذلك بوضوح مع صعود النزعات القومية الاقتصادية في الولايات المتحدة، والتي تجسدت في "قانون خفض التضخم" القائم على الدعم السيادي، والتوظيف الإستراتيجي للرسوم الجمركية التصاعدية كأداة ضغط دولية.
السيادة الصناعية كمحدد للنفوذ: فيما يلي أشار بورجو الى مسألة "السيادة الصناعية" بوصفها المحرك الرئيس للقوة. وجرى استعراض الفجوة التكنولوجية المتنامية بين أوروبا ، والقوى الآسيوية والأمريكية ، مع التأكيد على أن التفوق في قطاع "أشباه الموصلات" وتقنيات الذكاء الاصطناعي بات يعيد ترتيب تراتبية القوى الكونية. وقد استُدل هنا بالنموذج الروسي الذي أظهر صموداً صناعياً-عسكرياً كشف عن هشاشة القدرات الغربية في مواكبة وتيرة الإنتاج التقليدي إبان الأزمات الحادة.
تفكيك المعضلات الهيكلية ونقد العقيدة النيولبرالية: تناول التحليل نقد "العقيدة التكنوقراطية" التي سادت لعقود وأدت إلى تضخم الهياكل الإدارية على حساب الكفاءات التقنية والهندسية، مما ولّد "عجزاً تكوينياً" يقوض الابتكار الجذري. كما شددت المداخلة على حتمية استعادة السياسات الصناعية لمكانتها المركزية، معتبرة أن الاكتساح الصيني كان ثمرة استثمار طويل الأمد في التعليم التقني والتخطيط الإستراتيجي؛ وهو ما يفرض على الدول النامية، التحرر من القوالب الاقتصادية الجامدة واعتماد مقاربات براغماتية ترتكز على تحليل "التكلفة والفرصة".
اختتمت المحاضرة بنقاش معمق حول تداعيات هذه التحولات على استقرار العملات الدولية والسيادات الوطنية. وأكد بورجو أن "خطوط الصدع" الراهنة ليست أزمات عابرة، بل هي إعادة هيكلة جذرية للنظام العالمي الذي أصبح فيه التفوق التكنولوجي شرطاً أساسياً للقرار السياسي. فيما انتهت المداخلات إلى التأكيد على أن استقرار الاقتصاد العالمي مستقبلاً سيعتمد على قدرة الدول على الموازنة بين التنافس المحموم والحاجة إلى حد أدنى من التعاون المؤسساتي لتجنب الانهيار التام لسلاسل التوريد، وأن: "السيادة الاقتصادية اليوم تُبنى في المختبرات ومراكز البيانات قبل أن تُبنى في الأسواق".
