Une légitimité en questions : quelle histoire fondatrice pour Israël ?

عودة

في إطار افتتاح السنة الأكاديمية 2026–2027، نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.تونس، يوم 9 سبتمبر/أيلول 2026، محاضرةً دولية بعنوان: «مشروعية في الميزان.. أيّ تاريخٍ مؤسِّس لإسرائيل؟»، استضافت خلالها الأستاذ جيل بيبو (Gilles Bibeau)، الأنثروبولوجي المتخصص في الدراسات الإفريقية والأنثروبولوجيا الطبية، والأستاذ الفخري بجامعة مونتريال. وجاءت المحاضرة في سياق اهتمام بيبو بإعادة النظر في العلاقة بين الذاكرة الجماعية والتاريخ والآثار، وبحثِ كيفية توظيف الروايات التاريخية في بناء الهويات الجماعية وتبرير الانتماءات إلى المجال الجغرافي.

استهلّ الأستاذ جيل بيبو مداخلته بعرض المسار الذي قاده إلى إعداد كتابه «إسرائيل بلا قناع: الوجه الحقيقي لدولة استعمارية». وأوضح أن العودة إلى موضوع إسرائيل وفلسطين مثّلت بالنسبة إليه استئنافًا لاهتمام قديم بالآثار، إذ كان قد اعتزم في ستينيات القرن العشرين إجراء بحث أثري في القدس، قبل أن تحول حرب يونيو/حزيران 1967 دون ذلك، وهو ما دفعه إلى التوجه إلى إفريقيا الوسطى ومواصلة مساره في دراسة اللغات والثقافات الإفريقية. وبعد تقاعده من التدريس بجامعة مونتريال سنة 2013، عاد إلى الاهتمام بالآثار في فلسطين/إسرائيل، حيث قام، وفق عرضه، بعدة زيارات ميدانية امتدت على مدى سنوات، شملت مواقع أثرية مختلفة، ولا سيما في القدس، وأجرى مقابلات مع عدد من الباحثين والعاملين في المجال، قبل أن يكرّس جزءًا من عمله لتأليف الكتاب.

وانطلق المحاضر في مقاربته من مفهوم الذاكرة الجماعية، الذي شكّل أحد المحاور المركزية في أعماله الأنثروبولوجية. واعتبر أن الجماعات، شأنها شأن الأفراد، تبني ذاكرتها من خلال الانتقاء؛ فتحتفظ ببعض عناصر الماضي وتُقصي أو تُهمّش عناصر أخرى. ومن هذا المنظور، تناول العلاقة بين التاريخ والذاكرة والآثار، مشيرًا إلى أن علم الآثار لا ينفصل، في بعض السياقات، عن الأبعاد السياسية والدينية والرمزية، باعتباره مجالًا يمكن أن يُستدعى لإسناد روايات معينة حول الماضي وإثبات صلات جماعة ما بأرض محددة.

وفي هذا السياق، ركّز الأستاذ بيبو على العلاقة بين الرواية التوراتية والتصورات المتعلقة بالأرض والهوية والتاريخ. واستشهد في مداخلته بموقف إسحاق رابين، الذي أشار، بحسب عرضه، إلى أن تطبيق الرواية التوراتية بصورة حرفية لا يسمح بإسناد الوجود اليهودي التاريخي إلى كامل المجال الممتد بين البحر المتوسط ونهر الأردن، مؤكدًا ضرورة التمييز بين العلاقة بالكتاب المقدس ومفهوم «الأرض الموعودة» من جهة، والانتماء إلى الشعب والحدود الإقليمية من جهة أخرى، وعدم الخلط بينهما. وربط المحاضر ذلك بالدور الذي أدته بعض الاتجاهات في علم الآثار الإسرائيلي في البحث عن أدلة مادية لتأكيد استمرارية الوجود اليهودي في المنطقة منذ العصور القديمة.

كما تناولت المداخلة الدور الذي أسنده المحاضر إلى علم الآثار في بناء علاقة تجمع بين الهوية اليهودية والثقافة والدين من جهة، والمجال الجغرافي من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، أشار إلى أن مسألة الأسبقية التاريخية في المنطقة لا يمكن اختزالها، في رأيه، في سؤال «من كان أولًا؟»، مستحضرًا وجود شعوب ومجموعات تاريخية متعددة في المنطقة، من بينها الفينيقيون وشعوب البحر وغيرها. ومن ثمّ، دعا إلى النظر إلى التاريخ القديم للمنطقة باعتباره مجالًا مركبًا تتقاطع فيه روايات وذاكرات وانتماءات متعددة، بدل اختزاله في رواية أحادية.

وانتقل المحاضر بعد ذلك إلى تناول موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أو ما يُعرف بـ«عليات» (Aliyot)، مركزًا بصورة خاصة على «العلياه الثالثة» في عشرينيات القرن العشرين. وناقش، في قراءته، تأثير بعض الأفكار السياسية والفكرية الأوروبية في قطاعات من المهاجرين اليهود في تلك المرحلة، مشيرًا إلى حضور تصورات مرتبطة بهرمية الشعوب ومفهوم «المجال الحيوي» وبعض التصورات الجوهرانية حول الأمة والشعب. واعتبر أن هذه الأفكار تداخلت مع تصورات حول القوة والسيطرة على المجال، ومع استراتيجيات هدفت إلى ترسيخ الوجود اليهودي في فلسطين. كما ربط المحاضر هذه المرحلة بتطور التيارات الصهيونية ذات الطابع العسكري، وبصعود أفكار القوة والقدرة على حماية المشروع الصهيوني وتوسيعه.

وفي جانب آخر من مداخلته، تناول الأستاذ بيبو مسألة بناء الهوية من خلال اللغة والتعليم. وتوقف عند تجربة إليعزر بن يهودا في إحياء اللغة العبرية وتحويلها من لغة ذات حضور ديني إلى لغة عامة ووطنية، معتبرًا أن عملية إحياء العبرية ارتبطت بمشروع أوسع لبناء هوية جماعية حديثة. كما أبرز أهمية المدرسة والمناهج التعليمية في تشكيل الذاكرة الجماعية، مشيرًا إلى تعدد أنظمة التعليم داخل إسرائيل، وإلى وجود توجهات يرى أنها تسعى إلى تقديم سردية موحدة للتاريخ. وفي هذا الإطار، تطرّق إلى مسألة النكبة الفلسطينية، مشيرًا إلى اختلاف الروايات بشأن أسباب مغادرة الفلسطينيين لمناطقهم سنة 1948، وإلى حضور هذه المسألة في المناهج والسرديات التعليمية.