من نوريغا إلى مادورو: السيادة، الشرعية، والقانون الدولي

عودة

نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تونس، يوم 17 جانفي 2026، ندوةً بعنوان «من نوريغا إلى مادورو: السيادة، الشرعية، والقانون الدولي». تأتي هذه الندوة في سياق جيوسياسي متوتر يشهد تحولات عميقة وتتشابك فيه الرهانات الاقتصادية والسياسية، مما يثير أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الدولي وحدود القوة والشرعية. شارك في الندوة ثلة من الباحثين المتخصصين، من بينهم: الأستاذة فاطمة الرعاش، أستاذة القانون العام بجامعة تونس؛ والأستاذ نوفل حنفي، أستاذ الفلسفة السياسية بجامعة القيروان؛ والأستاذ علي عبد الله، الباحث في الاقتصاد بمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية.

شهدت الندوة تلاقحاً بين ثلاث مقاربات علمية متكاملة، سعت إلى تفكيك تعقيدات المشهد الدولي الراهن من زوايا متباينة، إذ تداخلت الرؤية الفلسفية النقدية مع التحليل القانوني المعمق والأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية، لتقديم صورة وافية عن صراع الإرادات الدولية وتأثيرها على مفاهيم السيادة والشرعية.

 قدّم الأستاذ نوفل حنفي قراءة نقدية لما أسماه «الحق الدولي العمومي»، محذراً من هيمنة الفكر «النفعي» الذي يشرعن انتهاك السيادة تحت ذريعة الأمن الدولي والمنفعة البراغماتية. وانتقد بشدة ازدواجية المعايير والنزعة الإمبراطورية اللتين تحوّلان القانون من قاعدة ملزمة إلى أداة لخدمة الأقوى، داعياً إلى بناء «باراديغم» جديد يتجاوز المركزية الغربية والذكورية السائدة. كما شدد على ضرورة تأسيس قانون دولي «واجباتي» يمنح الأولوية المطلقة للعدالة الكونية على حساب توازنات القوى، مع الانفتاح على قضايا المهمشين والنساء والبيئة، مؤكداً أن القانون في جوهره يجب أن يكون أداة لضبط العنف لا مجرد تقنية لإدارة النزاعات.

من جهتها، استعرضت الأستاذة فاطمة الرعاش مقاربة حول «جينيالوجيا الإمبريالية الأمريكية»، موضحة كيف يُوظَّف القانون الدولي كأداة لخدمة موازين القوى. وتتبعت تاريخ التدخلات الأمريكية، من بنما إلى فنزويلا، لتبيان كيفية استخدام مفاهيم «الحرب العادلة» لتبرير انتهاك سيادة الدول. كما ركزت على عودة «عقيدة مونرو» التي تعتبر القارة الأمريكية مجالاً حيوياً تابعاً للهيمنة الواشنطنية، مشيرة إلى أن الصراع في فنزويلا يعكس جوهر «السلام الأمريكي» (Pax Americana) القائم على فرض الإرادة بالقوة العسكرية والمالية. وختمت بالتمسك بالقانون الدولي كمرجع قيمي وحيد لمقاومة هذه النزعات الإمبريالية.

 أما مداخلة الأستاذ علي عبد الله، فقد حللت الأبعاد الاقتصادية للأزمة الفنزويلية، معتبرة أن سياسة ترامب تمثل عودة لما قبل القانون الدولي وللهيمنة المباشرة على الموارد الطاقية. وأوضحت أن الهدف الاستراتيجي يرتكز على «خنق» الخصوم، وتحديداً الصين، عبر السيطرة على النفط الفنزويلي. كما استعرضت المداخلة مفاهيم «الإمبراطورية الجديدة» و«السياسة الحيوية» (Biopolitics) لتفسير آليات التحكم في مصائر الشعوب عبر التكنولوجيا والطاقة. وأشار الباحث إلى أن فنزويلا تعاني أزمة هيكلية بسبب الارتهان للنفط، مؤكداً أن الصراع يعكس تحولاً نحو «المركانتيلية الجديدة» حيث تدار العلاقات الدولية كصراعات تجارية بحتة.

اختتمت الندوة بنقاشات ثرية ركزت على خطورة «تجاوز مفهوم الشرعية التقليدي» نحو شرعية تُفرض بالأمر الواقع والتبرير الأخلاقي الفضفاض. وأكد المتدخلون أن ما يحدث في فنزويلا ليس حدثاً معزولاً، بل هو جزء من نهج يسعى إلى إعادة صياغة القوانين الدولية لتناسب موازين القوى الجديدة. وانتهت الندوة بتوصية تشدد على ضرورة «اليقظة البحثية» تجاه المفاهيم القانونية التي يتم «تطويعها» لخدمة الهيمنة، مؤكدين أن استعادة هيبة القانون الدولي تتطلب فصلاً حقيقياً بين الخطاب المعياري والممارسة السياسية.